فصل: ومن باب قول النبي صلى الله عليه وسلم المكيال مكيال أهل المدينة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: معالم السنن



.ومن باب في اجتناب الشبهات:

قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس، قال: حَدَّثنا أبو شهاب، قال: حَدَّثنا ابن عون عن الشعبي قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات».
أحيانا يقول مشتبهة وسأضرب في ذلك مثلا أن الله تعالى حمَى حِمىً وإن حمى الله ما حرم وأنه من يرعى حول الحمى يوشك أن يخالطه وأنه من يخالط الريبة يوشك أن يجسر.
قال أبو داود: حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، قال: حَدَّثنا عيسى حدثنا زكريا عن عامر، قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في هذا الحديث قال: «وبينهما مشتبهات ولا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرى دينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام».
قال الشيخ هذا الحديث أصل في الورع وفيما يلزم الإنسان اجتنابه من الشبهة والريب.
ومعنى قوله: «وبينهما أمور مشتبهات» أي أنها تشتبه على بعض الناس دون بعض وليس أنها في ذوات أنفسها مشتبهة لا بيان لها في جملة أصول الشريعة فإن الله تعالى لم يترك شيئا يجب له فيها حكم إلاّ وقد جعل فيه بيانًا ونصب عليه دليلا ولكن البيان ضربان، بيان جلي يعرفه عامة الناس كافة، وبيان خفي لا يعرفه إلاّ الخاص من العلماء الذين عنوا بعلم الأصول فاستدركوا معاني النصوص، وعرفوا طرق القياس والاستنباط ورد الشيء إلى المثل والنظير.
ودليل صحة ما قلناه وإن هذه الأمور ليست في أنفسها مشتبهة قوله: «لا يعرفها كثير من الناس» وقد عقل ببيان فحواه أن بعض الناس يعرفونها وإن كانوا قليلي العدد فإذا صار معلومًا عند بعضهم فليس بمشتبه في نفسه ولكن الواجب على من اشتبه عليه أن يتوقف ويستبري الشك ولا يقدم إلاّ على بصيرة فإنه إن أقدم على الشيء قبل التثبت والتبين لم يأمن أن يقع في المحرم عليه وذلك معنى الحمى وضربه المثل به.
وقوله: «الحلال بين والحرام بين» أصل كبير في كثير من الأمور والأحكام إذا وقعت فيها الشبهة أو عرض فيها الشك ومهما كان ذلك فإن الواجب أن ينظر فإذا كان للشيء أصل في التحريم والتحليل فإنه يتمسك به ولا يفارقه باعتراض الشك حتى يزيله عنه يقين العلم، فالمثال في الحلال الزوجة تكون للرجل والجارية تكون عنده يتسرى بها ويطأها فيشك هل طلق تلك أو أعتق هذه فهما عنده على أصل التحليل حتى يتيقن وقوع طلاق أو عتق، وكذلك الماء يكون عنده وأصله الطهارة فيشك هل وقعت فيه نجاسة أم لا فهو على أصل الطهارة حتى يتيقن أن قد حلته نجاسة، وكالرجل يتطهر للصلاة ثم يشك في الحدث فإنه يصلي ما لم يعلم الحدث يقينا على هذا المثال.
وأما الشيء إذا كان أصله الحظر وإنما يستباح على شرائط وعلى هيئات معلومة كالفروج لا تحل إلاّ بعد نكاح أو ملك يمين وكالشاة لا يحل لحمها إلا بذكاة فأنه مهما شك في وجود تلك الشرائط وحصولها يقينًا على الصفة التي جعلت علما للتحليل كان باقيا على أصل الحظر والتحريم، وعلى هذا المثال فلو اختلطت امرأته بنساء أجنبيات أو اختلطت مذكاة بميتات ولم يميزها بعينها وجب عليه أن يجتنبها كلها ولا يقربها وهذان القسمان حكمهما الوجوب واللزوم.
وها هنا قسم ثالث وهو أن يوجد الشيء ولا يعرف له أصل متقدم في التحريم ولا في التحليل، وقد استوى وجه الإمكان فيه حلا وحرمة فإن الورع فيما هذا سبيله الترك والاجتناب وهو غير واجب عليه وجوب النوع الأول، وهذا كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه مرّ بتمرة ملقاة في الطريق؛ فقال لولا إني أخاف أن تكون صدقة لأكلتها» وقدم له الضب فلم يأكله، وقال: «إن أُمة مسخت فلا أدري لعله منها» أو كما قال. ثم إن خالد بن الوليد أكله بحضرته فلم ينكره ويدخل في هذا الباب معاملة من كان في ماله شبهة أو خالطه ربى فإن الاختيار تركها إلى غيرها وليس بمحرم عليك ذلك ما لم يتيقن أن عينه حرام أو مخرجه من حرام، وقد رهن رسول الله صلى الله عليه وسلم درعه من يهودي على أصوع من شعير أخذها لقوت أهله، ومعلوم أنهم يربون في تجاراتهم ويستحلون أثمان الخمور، ووصفهم الله تعالى بأنهم سماعون للكذب أكالون للسحت، فعلى هذه الوجوه الثلاثة يجري الأمر فيما ذكرته لك.
وقوله: «من اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه» أصل في باب الجرح والتعديل وفيه دلالة على أن من لم يتوق الشبهات في كسبه ومعاشه فقد عرض دينه وعرضه للطعن وأهدفهما للقول.
وقوله: «من وقع في الشبهات وقع في الحرام» يريد أنه إذا اعتادها واستمر عليها أدته إلى الوقوع في الحرام بأن يتجاسر عليه فيواقعه بقول فليتق الشبهة ليسلم من الوقوع في المحرم.

.ومن باب وضع الربى:

قال أبو داود: حدثنا مسدد، قال: حَدَّثنا أبو الأحوص، قال: حَدَّثنا شبيب بن غرقدة عن سليمان بن عمرو عن أبيه قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حجة الوداع إلا أن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون إلاّ وإن كل دم من دم الجاهلية موضوع وأول دم أضع منها دم الحارث بن عبد المطلب كان مسترضعا في بني ليث فقتلته هذيل اللهم قد بلغت، قالوا نعم ثلاثًا، قال اللهم أشهد ثلاث مرات».
قال الشيخ في هذا من الفقه أن ما أدركه الإسلام من أحكام الجاهلية فإنه يلقاه بالرد والنكير، وأن الكافر إذا أربى في كفره ولم يقبض المال حتى أسلم فإنه يأخذ رأس ماله ويضع الربا؛ فأما ما كان قد مضى من أحكامهم فإن الإسلام يلقاه بالعفو فلا يعترض عليهم في ذلك ولا يتبع أفعالهم في شيء منه فلو قتل في حال كفره وهو في دار الحرب ثم أسلم فإنه لا يتبع بما كان فيه في حال الكفر. ولو أسلم زوجان من الكفار وتحاكما إلينا في مهر من خمر أو خنزيرًا أو ما أشبههما من المحرم فإنه ينظر فإن كانت لم تقبضه منه كله فإنا نوجب لها عليه مهر المثل ولو قبضت نصفه وبقي النصف فإنا نوجب عليه للباقي منه نصف المهر ونجعل الفائت من النصف الآخر كأن لم يكن، وعلى هذا إن كان نكاحًا يريدون أن يستأنفوا عقده فإنا لا نجيز من ذلك إلاّ ما أباح حكم الإسلام، فإن كان أمرا ماضيا فإنا لا نفسخه ولا نعرض له وعلى هذا القياس جميع هذا الباب.
وقوله: «دم الحارث بن عبد المطلب» فإن أبا داود هكذا روى، وإنما هو في سائر الروايات دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وحدثني عبد الله بن محمد المكي، قال: حَدَّثنا علي بن عبد العزيز، عَن أبي عبيدة قال أخبرني ابن الكلبي أن ربيعة بن الحارث لم يقتل وقد عاش بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى زمن عمر وإنما قتل له ابن صغير في الجاهلية فأهدر النبي صلى الله عليه وسلم فيما أهدر ونسب الدم إليه لأنه ولي الدم.

.ومن باب الرجحان في الوزن:

قال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا سفيان عن سماك بن حرب قال: حدثني سويد بن قيس قال: «جلبت أنا ومخرمة العبدي بُرًّا من هجر فأتينا به مكة فجاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي فساومنا بسراويل فبعناه وثم رجل يزن بالأجر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم زن وأرجح».
قوله: «زن وأرجح» فيه دليل على جواز هبة المشاع، وذلك أن مقدار الرجحان هبة منه للبائع وهو غير متميز من جملة الثمن.
وفيه دليل على جواز أخذ الأجرة على الوزن والكيل وفي معناهما أجرة القسام والحاسب وكان سعيد بن المسيب ينهى عن أجرة القسام وكرهها أحمد بن حنبل.
قال الشيخ وفي مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم وأمره إياه به كالدليل على أن وزن الثمن على المشتري فإذا كان الوزن عليه لأن الإيفاء يلزمه فقد دل على أن أجرة الوزان عليه فإذا كان ذلك على المشتري فقياسه في السلعة المبيعة أن تكون على البائع.

.ومن باب قول النبي صلى الله عليه وسلم المكيال مكيال أهل المدينة:

قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حَدَّثنا ابن دكين، قال: حَدَّثنا سفيان عن حنظلة عن طاوس عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الوزن وزن أهل مكة والمكيال مكيال أهل المدينة».
قال الشيخ هذا حديث قد تكلم فيه بعض الناس وتخبط في تأويله فزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد بهذا القول تعديل الموازين والأرطال والمكاييل وجعل عيارها أوزان أهل مكة ومكاييل أهل المدينة ليكون عند التنازع حكما بين الناس يحملون عليها إذا تداعوا، فادعى بعضهم وزنًا أوفى أو مكيالا أكبر وادعى الخصم أن الذي يلزمه هو الأصغر منها دون الأكبر، وهذا تأويل فاسد خارج عما عليه أقاويل أكثر الفقهاء وذلك أن من أقر لرجل مكيلة بُر أو بعشرة أرطال من تمر أو غيره واختلفا في قدر المكيلة والرطل فأنهما يحملان على مجرف البلد وعادة الناس في المكان الذي هو به ولا يكلف أن يعطي برطل مكة ولا بمكيال المدينة، وكذلك إذا أسلفه في عشرة مكاييل قمح أو شعير وليس هناك إلاّ مكيلة واحدة معروفة فإنهما يحملان عليها فإن كان هناك مكاييل مختلفة فأسلفه في عشرة مكاييل ولم يصف الكيل بصفة يتميز بها عن غيره فالسلم فاسد وعليه رد الثمن. وإنما جاء الحديث في نوع ما يتعلق به أحكام الشريعة في حقوق الله سبحانه دون ما يتعامل به الناس في بياعاتهم وأمور معاشهم.
فقوله: «الوزن وزن أهل مكة» يريد وزن الذهب والفضة خصوصا دون سائر الأوزان ومعناه أن الوزن الذي يتعلق به حق الزكاة في النقود وزن أهل مكة وهي دراهم الإسلام المعدلة منها العشرة بسبعة مثاقيل فإذا ملك رجل منها مائتي درهم وجبت فيها الزكاة، وذلك أن الدراهم مختلفة الأوزان في بعض البلدان والأماكن فمنها البغلي ومنها الطبري ومنها الخوارزمي وأنواع غيرها، والبغلي ثمانية دوانيق والطبري أربعة دوانيق والدرهم الوزان الذي هو من دراهم الإسلام الجائزة بينهم في عامة البلدان ستة دوانيق وهو نقد أهل مكة ووزنهم الجائز بينهم، وكان أهل المدينة يتعاملون بالدراهم عددا وقت مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها، والدليل على صحة ذلك أن عائشة رضي الله عنها قالت فيما روي عنها من قصة بريرة إن شاء أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة فعلت تريد الدراهم التي هي ثمنها فأرشدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الوزن فيها وجعل العيار وزن أهل مكة دون ما يتفاوت وزنه منها في سائر البلدان.
وقد تكلم الناس في هذا الباب وهل كانت هذه الدراهم لم تزل في الجاهلية على هذا العيار والوزن فذهب بعضهم إلى أن الوزن فيها لم يزل على هذا العيار وإنما غيروا الشكل منها ونقشوا فيها اسم الله عز وجل وقام الإسلام.
والأوقية وزنها أربعون درهما، لحلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس فيما دون خمس أواقي صدقة» وهي مائتا درهم، وهذا المعنى بلغني، عَن أبي العباس بن شريح أنه كان يقوله ويذهب إليه وحكوا، عَن أبي عبيد القاسم بن سلام ما يخالف هذا.
قال أبو عبيد حدثني رجل من أهل العلم والعناية بأمر الناس ممن يعنى بهذا الشأن أن الدراهم كانت في الجاهلية على دربين البغلية السوداء التي في كل واحد منها أربعة دوانيق وكانوا يستعملونها على النصف والنصف مائة بغلية طبرية فكان في المائتين منها من الزكاة خمسة دراهم، فلما كان زمان بني أمية قالوا إن ضربنا البغلية ظن الناس أن هذه التي تجب فيها الزكاة المشروعة فيضر ذلك بالفقراء وإن ضربنا الطبرية أضر ذلك بأرباب الأموال فجمع بين الدراهم البغلية والطبرية فكان في أحدهما ثمانية دوانيق وفي الآخر أربعة دوانيق وجملتها اثنا عشر دانقًا فقسموها نصفين وضربوا الدراهم على ستة دوانيق.
وأما الدنانير فمشهور من أمرها أنها كانت تحمل إليهم من بلاد الروم وكانت العرب تسميها الهرقلية وقد ذكره كثير في شعره فقال:
يروق العيون الناظرات كأنه ** هرقلي وزن أحمر التبر راجح

ثم ضرب الدنانير في عهد الإسلام عبد الملك بن مروان فحدثني أحمد بن عبد العزيز بن شابور، قال: حَدَّثنا علي بن عبد العزيز، قال: حَدَّثنا الزبير بن بكار، قال: حَدَّثنا عمر بن عثمان عن إسحاق بن عبد الله بن كعب بن مالك قال لما أراد عبد الملك بن مروان ضرب الدنانير والدراهم سأل عن أوزان الجاهلية فأجمعوا له على أن المثقال اثنان وعشرون قيراطا إلاّ حبة بالشامي، وأن العشرة دراهم وزن سبعة مثاقيل فضربها على ذلك.
فأما أوزان الأرطال والأمناء فهو بمعزل عن هذا وللناس فيها عادات مختلفة في البلدان قد أقروا عليها مع تباينها واختلافها كالشامي والحجازي والعراقي وأرطال أهل أذربيجان مضاعفة وأرطال أهل الري وأصبهان دون الأردبيلي وفوق الحجازي والعراقي منه ادة كثيرة وكل من أهل هذه البلدان محمول على عرف بلده وعادة قومه لا ينقل عنها ولا يحمل على ما سواها وليست كالدراهم والدنانير التي حمل الناس فيها على عيار واحد وحكم سواء إلاّ أن الدراهم قد يختلف حكمها في شيء واحد وهو أن رجلا لو باع ثوبًا بعشرة دراهم في بلدة يتعاملون فيها بالدراهم الطبرية أو الخوارزمية لم يلزم المشتري أن يدفع في ثمنه الوازنة، وإنما يلزمه نقد البلد ولكن إن كان أقر له بعشرة دراهم لزمته الوازنة لأنه ليس في الإقرار عرف يتغير به الحكم في بلد دون بلد ألا ترى أن رجلًا من أهل خوارزم لو أقر عند حاكم بغداد بمائة درهم لرجل من خوارزم أنه يلزمه الدراهم الوازنة إن ادعاها المقر له بها فباب الإقرار خلاف باب المعاملات على ما بيناه والله أعلم.
وأما قوله: «والمكيال مكيال أهل المدينة» فإنما هو الصاع الذي يتعلق به وجوب الكفارات ويجب إخراج صدقة الفطر به ويكون تقدير النفقات وما في معناها بعياره والله أعلم.
وللناس صيعان مختلفة فصاع أهل الحجاز خمسة أرطال وثلث بالعراقي وصاع أهل البيت فيما يذكره زعماء الشيعة تسعة أرطال وثلث ينسبونه إلى جعفر بن محمد وصاع أهل العراق ثمانية أرطال وهو صاع الحجاج الذي سعر به على أهل الأسواق، ولما ولي خالد بن عبد الله القسري العراق ضاعف الصاع فبلغ به ستة عشر رطلا فإذا جاء باب المعاملات حملنا العراقي على الصاع المتعارف المشهور عند أهل بلاده والحجازي على الصاع المعروف ببلاد الحجاز، وكذلك كل أهل بلد على عرف أهله وإذا جاءت الشريعة وأحكامها فهو صاع المدينة فهو معنى الحديث ووجهه عندي والله أعلم.